محمد جمال الدين القاسمي

259

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

( والصيب ) السحاب ذو الصوب . والصوب المطر . والمراد بالسماء : السحاب ، كما قال تعالى : أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [ الواقعة : 69 ] . وهي في الأصل : كل ما علاك من سقف ونحوه . فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ التنوين في الكلّ للتفخيم والتهويل - كأنّه قيل : فيه ظلمات داجية ، ورعد قاصف ، وبرق خاطف - يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ الصاعقة : الصوت الشديد من الرعدة يسقط معها قطعة نار تنقدح من السحاب - إذا اصطكّت أجرامه - لا تأتي على شيء إلا أحرقته حَذَرَ - أي خوف - الْمَوْتِ - من سماعها - وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ علما وقدرة فلا يفوتونه . والجملة اعتراضية منبّهة على أنّ ما صنعوا - من سدّ الآذان بالأصابع - لا يغني عنهم شيئا ، فإنّ القدر لا يدافعه الحذر ، والحيل لا تردّ بأس الله عزّ وجلّ . وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير - الراجع إلى أصحاب الصيّب - الإيذان بأنّ ما دهمهم - من الأمور الهائلة المحكيّة - بسبب كفرهم ، فيظهر استحقاقهم شدّة الأمر عليهم ، على طريقة قوله تعالى : أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا [ آل عمران : 117 ] فإن الإهلاك الناشئ عن السخط أشد . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 20 ] يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدّر - كأنه قيل : فكيف حالهم مع ذلك البرق ؟ فقيل : يكاد يخطف أبصارهم ، أي : يأخذها بسرعة كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أي : في ضوئه وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي : وقفوا ، وثبتوا في مكانهم - ومنه : قامت السوق ، إذا ركدت وكسدت . وقام الماء ، جمد - وهذا تمثيل لشدّة الأمر على المنافقين : بشدّته على أصحاب الصيّب ، وما هم فيه من غاية التحيّر والجهل - بما يأتون وما يذرون - إذا صادفوا من البرق خفقة - مع خوف أن يخطف أبصارهم - انتهزوا تلك الخفقة فرصة ، فخطوا خطوات يسيرة ، فإذا خفي ، وفتر لمعانه ، بقوا واقفين متقيدين عن الحركة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ أي : لزاد في قصيف الرعد فأصمّهم ، أو في ضوء البرق فأعماهم . ومفعول « شاء » محذوف ، لأنّ الجواب يدلّ عليه . والمعنى : ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها . ولقد تكاثر هذا الحذف في « شاء » و « أراد » . لا